فصل: الخبر عن زحف أبي حمو وبني عبد الواد إلى بجاية ونكبتهم عليها وفتح تدلس من أيديهم بعدها

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبر عن وصول الأخ الأمير أبي يحيي زكرياء من تونس وافتتاحه بونة واستيلائه عليها

كان الأمير أبو يحيى زكريا منذ بعثه أخوه أبو العباس إلى عمهما السلطان أبي إسحاق صريخاً لهم لم يزل مقيماً بتونس وبلغه استيلاء السلطان أبي عنان على قسطنطينة فخشي الحاجب أبو محمد بن تافراكين بادرته وتوقع زحفه إليه وغلبه إياه على الأمر‏.‏ورأى أن يحصر جناحه في أخيه ويتوثق به فاعتقله بالقصبة تحت كرامة ورعي‏.‏وبعث فيه السلطان أبو الحسن بعد مراوضة في السلم فأطلقه وانعقد بينهما السلم‏.‏ولما وصل الأمير أبو يحيى إلى أخيه بقسطنطينة عقد له على العساكر وزحف إلى بونة فملكها سنة اثنتين وستين وعقد له عليها وأنزله بها مع العساكر وأصارها تخماً لعمله واستمرت حالها على ذلك إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن استيلاء الأمير أبي عبد الله على بجاية ثم على تدلس بعدها

لما قدم السلطان أبو عبد الله من المغرب ونازل بجاية فامتنعت عليه خرج إلى أحياء العرب كما قدمناه ولزم صحابته أولاد يحيى بن علي بن سباع فغربوا في الوفاء بها‏.‏وأقام بين ظهرانيهم وفي حللهم متقلباً في طلب بجاية برحلة الشتاء والصيف وتكفلوا نفقة عياله ومؤنة حشمه وأنزلوه ببلد المسيلة من أوطانهم وتجافوا له عن جبايتهم وأقام على ذلك سنين خمساً ينازل بجاية في كل سنة منها مراراً‏.‏وتحول في السنة الخامسة عنهم إلى أولاد علي بن أحمد ونزل على يعقوب بن علي فأسكنه بمقرة من بلاده إلى أن بدا لعمه المولى أبي إسحاق رأيه في اللحاق بتونس لما توقع من مهلك حاجبه وكافله أبي محمد بن تافراكين أسره إليه بعض الحزى فحذر مغبته ووقع لذلك في نفوس أهل بجاية انحراف عنه ومرج أمرهم وراسلوا أميرهم الأقدم أبا عبد الله من مكانه بمقرة‏.‏وظاهره على ذلك يعقوب بن علي وأخذ له العهد على رجالات سدويكش أهل الضاحية وارتحلوا معه إلى بجاية ونازلها أياماً‏.‏ثم استيقن الغوغاء اعتزام سلطانهم على التقويض عنهم وسيموا ملكة علي بن صالح الذي كان عريفاً عليهم فثاروا به ونبذوا عهده وانفضوا من حوله إلى الأمير أبي عبد الله بالرسة من ساحة البلد‏.‏ثم قادوا إليه عمه أبا إسحاق فمن عليه وخلى سبيله إلى حضرته فلحق بها واستولى أبو عبد الله على بجاية محل إمارته في رمضان سنة خمس وستين على علي بن صالح ومن معه من عرفاء الغوغاء أهل الفتنة فاستصفى أموالهم ثم أمضى حكم الله في قتلهم‏.‏ثم نهض إلى تدلس لشهرين من ملكه بجاية فغلب عليها عمر بن موسى عامل بني عبد الواد ومن أعياص قبيلهم وتملكها في آخر سنة خمس‏.‏وبعث عني من الأندلس كنت مقيماً بها نزيلا عند السلطان أبي عبد الله بن أبي الحجاج بن الأحمر في سبيل اغتراب ومطاوعة تقلب منذ مهلك السلطان أبي سالم الجاذب بضبعي إلى تنويهه والراقي بي في خطط كتابته من ترسيل وتوقيع ونظر في المظالم وغيرها‏.‏فلما استدعاني هذا الأمير أبو عبد الله بادرت إلى امتثاله ‏"‏ ولو شاء الله ما فعلوه ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ‏"‏ فأجزت البحر شهر جمادى من سنة ست وقلدني حجابته ودفع إلي أمور مملكته وقمت في ذلك المقام المحمود إلى أن أذن الله بانقراض أمره وانقطاع دولته ولله الخلق والأمر وبيده تصاريف الأمور‏.‏

  الخبر عن مهلك الحاجب أبي محمد بن تافراكين واستبداد سلطانه من بعده

كان السلطان أبو إسحاق آخر دولته ببجاية قد تحين مهلك حاجبه المستبد عليه أبي محمد بن تافراكين لما كان أهل صناعة التنجيم يحدثونه بذلك فأجمع الرحلة إليها وانفض عنه أهل بجاية إلى ابن أخيه كما قدمناه‏.‏واستولى عليه ثم أطلقه إلى حضرته فلحق بها في رمضان سنة خمس وستين‏.‏وتلقاه أبو محمد بن تافراكين وراءه مرهف الحد للاستبداد الذي لفه ببجاية فكايله بصاع الوفاق وصارفه نقد المصانعة وازدلف بأنواع القربات‏.‏وقاد إليه الجنائب ومنحه من الذخائر والأموال وتجافى له عن النظر في الجباية‏.‏ثم أصهر إليه السلطان في كريمته فعقد له عليها وأعرس السلطان بها‏.‏ثم كان مهلكه عقب ذلك سنة ست وستين فوجم السلطان لنعيه وشهد جنازته حتى وضع بملحده من المدرسة التي اختطها لقراءة العلم إزاء داره جوفي المدينة‏.‏وقام على قبره باكياً وحاشيته يتناولون التراب حثياً على جدثه فغرب في الوفاء معه بما تحدث به الناس واستبد من بعده بأمره وأقام سلطانه لنفسه‏.‏وكان أبو عبد الله الحاجب ابن أبي محمد غائباً عن الحضرة‏.‏خرج منها بالعساكر للجباية والتمهيد فلما بلغه خبر مهلك أبيه داخلته الظنة وأوجس الخيفة فصرف العسكر إلى الحضرة وارتحل مع حكيم من بني سليم وعرض نفسه على معاقل إفريقية إلى كان يتظنن أنها خالصة لهم‏.‏فصلى محمد بن أبي العيون كاتبه عن جربة ومحمد بن الجكجاك صنيعتهم وبطانتهم عن المهدية‏.‏وبعث إليه السلطان بما رضيه من الأمان فأصحب بعد النفور وبادر إلى الحضرة فتلقاه السلطان بالبر والترحيب وقلده حجابته وأنزله على مراتب العز والتنويه‏.‏ونكر هو مباشرة السلطان للناس ورفعه للححاب ولم يرضه لما ألف من الاستبداد منذ عهد أبيه فأظلم الجو بينه وبين السلطان ودبت عقارب السعايه لمهاده الوثير فتنكر وخرج من تونس ولحق بقسطنطينة ونزل بها على السلطان أبي العباس مرغباً له في ملك تونس ومستحثاً فأنزله خير نزل ووعده بالنهوض معه إلى إفريقية بعد الفراغ من أمر بجاية لما كان بينه وبين ابن عمه صاحبها من الفتنة كما نذكره بعد‏.‏واستبد السلطان أبو إسحاق بعد مفر ابن تافراكين عنه ونظر في أعطاف ملكه وعقد على حجابته لأحمد بن إبراهيم اليالفي مصطنع الحاجب أبي محمد من طبقة العمال وعلى العساكر والحرب لمولاه منصور سريحه من المعلوجي ورفع الحاجب بينه وبين رجال دولته وصنائع ملكه حتى باشر جباة الخراج وعرفاء الحشم وأوصلهم إلى نفسه وألغى الوسائط بينهم وبينه إلى حين مهلكه كما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى والله أعلم‏.‏

  الخبر عن استيلاء السلطان أبي العباس على بجاية ومهلك صاحبها ابن عمه

لما ملك الأمير أبو عبد الله بجاية واستقل بإمارتها تنكر للرعية وساءت سيرته فيهم بإرهاف الحد للكافة وإسخاط الخاصة فنغلت الصدور ومرضت القلوب واستحكمت النفرة وتوجهت الصاغية إلى ابن عمه السلطان أبي العباس بقسطنطينة لما كان أسوس منه وأغلب للذاته وأقوم على سلطانه‏.‏وكانت بينهم فتنة وحروب جر بها المنافسة في تخوم العمالتين منذ عهد الآباء‏.‏وكان السلطان أبو العباس أيام نزوله على السلطان أبي سالم محمود السيرة والخلال عنده مستقيم الطريقة في مثوى اغترابه‏.‏وربما كان ينقم على ابن عمه هذا بعض النزعات المعرضة لصاحبها للملامة فيستثقل نصيحته‏.‏ونغل بذلك ضميره فلما استولى على بجاية عاد إلى الفتنة فشبها وشمر عزائمه لها فكان مغلباً فيها‏.‏واعتلق منه يعقوب بن علي بذمة في المظاهرة على السلطان أبي العباس فلم يغن عنه وراجع يعقوب سلطانه‏.‏ثم جهز هو العساكر من بجاية لمزاحمة تخوم قسطنطية ففضها أبو العباس فنهض إليه ثانية بنفسه في العساكر وتراجع العرب من أولاد سباع بن يحيى وجمع هو أولاد محمد وزحف فيهم وفي عسكر من زناتة والتقى الفريقان بناحية سطيف فاختل مصاف أهل بجاية وانهزموا واتبعهم السلطان أبو العباس إلى تاكرارت وجال في عمله ووطئ نواحي وطنه وقفل إلى بلده‏.‏ودخل الأمير أبو عبد الله إلى بجاية وقد استحكمت النفرة بينه وبين أهل بلده فدسوا إلى السلطان أبي العباس بقسطنطينة بالقدوم عليهم فوعدهم من العام القابل وزحف سنة سبع وستين في عساكره وشيعته من الدواودة أولاد محمد وانضوى إليه أولاد سباع شيعة بجاية بالجوار والسابقة القديمة لما نكروا من أحوال سلطانهم‏.‏وعسكر الأمير أبو عبد الله بلبزو في جمع قليل من الأولياء وأقام بها يرجو مدافعة ابن عمه بالصلح فبيته السلطان بمعسكره من لبزو وصبحه في غارة شعواء فانفض جمعه وأحيط به وانتهب المعسكر ومر إلى بجاية فأدرك في بعض الطريق وتقبض عليه وقتل قعصاً بالرماح‏.‏وأغذ السلطان أبو العباس السير إلى بجاية فأدرك بها صلاة الجمعة تاسع عشر شعبان من سنة سبع وستين وكنت بالبلد مقيماً خرجت إليه في الملأ وتلقاني بالمبرة والتنويه‏.‏وأشار إلي بالاصطناع واستوسق له ملك جده الأمير أبي زكريا الأوسط في الثغور العربية وأقمت في خدمته بعض شهر‏.‏ثم توجست الخيفة في نفسي وأذنته في الانطلاق فأذن لي تكرماً وفضلا وسعة صدر ورحمة ونزلت على يعقوب بن علي‏.‏ثم تحولت عنه إلى بسكرة ونزلت على ابن مزني إلى أن صفا الجو واستقبلت من أمري ما استدبرت لثلاث عشرة سنة من انطلاقي عنه في خبر طويل نقصه من شأني فأذن لي وقدمت عليه فقابلتني وجوه عنايته وأشرقت علي أشعة بخته كما نذكر ذلك من بعد إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن زحف أبي حمو وبني عبد الواد إلى بجاية ونكبتهم عليها وفتح تدلس من أيديهم بعدها

كان الأمير أبو عبد الله صاحب بجاية لما اشتدت الفتنة بينه وبين ابن عمه السلطان أبي العباس مع ما كان بينه وبين بنتي عبد الواد من الفتنة عند غلبه إياهم على تدلس تكاءد عن حمل الغداوة من الجانبين وصغى إلى مهادنة بني عبد الواد فنزل لهم عن تدلس وأمكن منها قائد العسكر المحاصر لها‏.‏وأوفد رسله على سلطانهم أبي حمو بتلمسان وأصهر إليه أبو حمو في ابنته فعقد له عليها وزفها إليه بجهاز أمثالها‏.‏فلما غلبه السلطان أبو العباس على بجاية وهلك في مجال حربه أشاع أبو حمو الامتعاض له لمكان الصهر وجعلها ذريعة إلى الحركة على بجاية‏.‏وزحف من تلمسان يجر الشوك والمدد في آلاف من قومه وطبقات العسكر والجند‏.‏وتراجع العرب حتى انتهى إلى وطن حمزة فأجفل أمامه أبو الليل بن موسى بن زغلي في قومه بني يزيد وتحصنوا في جبال زواوة المطلة على وطا حمزة‏.‏وبعث إليه رسله لاقتضاء طاعته فأوثقهم كتافاً وكان فيهم يحيى حافد أبي محمد صالح نزع من السلطان أبي العباس إلى أبي حمو وكان عيناً على غرات أبي الليل هذا بما بينهما من المربى والجوار في الوطن فجاء في وفد الرسالة عن أبي حمو فتقبض عليهم وعليه فقتله وبعث برأسه إلى بجاية‏.‏وامتنع على أبي حمو وعساكره فأجازوا على بجاية ونزل معسكره بساحتها وقاتلها أياماً‏.‏وجمع الفعلة على الآلات للحصار‏.‏وكان السلطان أبو العباس بالبلد وعسكره مع مولاه بشير بتاكرارت ومعهم أبو زيان بن عثمان بن عبد الرحمن وهو ابن عم أبي حمو من أعياص بيتهم وكان من خبره أنه كان خرج من المغرب كما نذكره في أخباره‏.‏ونزل على السلطان أبي إسحاق بالحضرة ورعى له أبو محمد الحاجب حق بيته فأوسع في كرامته‏.‏ولما غلب الأمير أبو عبد الله على تدلس بعث إليه من تونس ليوليه عليها ويكون رداء بينه وبين بني حمو ويتفرغ هو للأجلاب على وطن قسطنطينة فبادر إلى الإجابة وخرج من تونس‏.‏ومر السلطان أبو العباس بمكانه من قسطنطينة فصده عن سبيله واعتقله عنده مكرماً‏.‏فلما غلب على بجاية وبلغه الخبر بزحف أبي حمو أطلقه من اعتقاله ذلك واستبلغ في تكرمته وحبائه ونصبه للملك وجهز له بعض الآلة‏.‏وخرج في معسكر مولاه بشير ليجأجئ به بني عبد الواد عن ابن عمه أبي حمو لما سيموا من ملكته وعنفه‏.‏وكان زغبة عرب المغرب الأوسط في معسكر أبي حمو وكانوا حذرين مغبة أمره معهم فراسلوا أبا زيان وائتمروا بينهم في الأرجاف بالمعسكر‏.‏ثم تحينوا لذلك أن يشب الحرب بين أهل البلد وأهل المعسكر فأجفلوا خامس في الحجة وانفض المعسكر وانتهوا إلى مضائق الطرقات بساح البلد فكظت بزحامهم وتراكموا عليها فهلك الكثير منهم وخففوا من الأثقال والعيال والسلاح والكراع ما لا يحيط به الوصف‏.‏وأسلم أبو حمو عياله وأمواله فصارت نهبا واحتلبت حظاياه إلى السلطان فوهبها لابن عمه ونجا أبو حمو بنفسه بعد أن طاح في كظيظ الزحام عن جواده فنزل له وزيره عمران بن موسى عن مركوبه فكان نجاؤه عليه ولحق بالجزائر في الفل‏.‏ثم لحق منها بتلمسان واتبع أبو زيان أثره واضطرب المغرب الأوسط كما نذكره في أخباره‏.‏وخرج السلطان أبو العباس من بجاية على إثر هذه الواقعة فنازل تدلس وافتتحها وغلب عليها من كان بها من عمال بني عبد الواد وانتظمت الثغور الغربية كلها في ملكه كما كانت في ملك جده الأمير أبي زكرياء الأوسط حين قسم الدعوة الحفصية بها إلى أن كان ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى‏.‏كان أبو عبد الله ابن الحاجب أبي محمد بن تافراكين لما نزع عن السلطان أبي إسحاق صاحب الحضرة لحق بحلل أولاد مهلهل من العرب ووفدوا جميعاً على السلطان أبي العباس فاتح سنة سبع وستين يستحثونه إلى الحضرة ويرغبونه في ملكها فاعتذر لهم بما كان عليه من الفتنة مع ابن عمه صاحب بجاية‏.‏وزحف إليها في حركة الفتح‏.‏وصاروا في جملته فلما استكمل فتح بجارة سرح معهم أخاه المولى أبا يحيى زكريا في العساكر فصاروا معه إلى الحضرة وابن تافراكين في جملته فنازلوها أياماً وامتنعت عليهم فأقلعوا على سلم ومهادنة انعقدت بين صاحب الحضرة وبينهم وقفل المولى أبو يحيى بعسكره إلى مكان عمله‏.‏ولحق ابن تافراكين بالسلطان فلم يزل في جملته إلى أن كان من فتح تونس ما نذكر‏.‏

  الخبر عن مهلك السلطان أبي إسحاق صاحب الحضرة

وولاية ابنه خالد من بعده لم تزل حال السلطان أبي إسحاق بالحضرة على ما ذكرناه ويختلف في الفتنة والمهادنة مع السلطان أبي العباس طوراً بطور واستخلص لدولته منصور أبي حمزة أمير بني كعب يستظهر به على أمره ويستدفع برأيه وشوكته فخلص له سائر أيامه‏.‏وعقد سنة تسع وستين لابنه خالد على عسكر لنظر محمد بن رافع من طبقات الجند من مغراوة مستبداً على ابنه‏.‏وسرحه مع منصور بن حمزة وقومه وأوعز إليهم بتدويخ ضواحي بونة واكتساح نعمها وجباية ضواحيها فساروا إليها‏.‏وسرح الأمير أبو يحيى زكرياء صاحب عسكره مع أهل الضاحية فأغنوا في مدافعتهم وانقلبوا على أعقابهم فكان آخر العهد بظهورهم‏.‏ولما رجعوا إلى الحضرة تنكر السلطان لمحمد بن رافع قائد العسكر وخرج من الحضرة ولحق بقومه بمكانهم من لحقه من أعمال تونس‏.‏واستقدمه السلطان بعد أن استعتب له فلما قدم تقبض عليه وأودعه السجن‏.‏وعلى إثر ذلك كان مهلك السلطان فجاءة ليلة من سنة سبعين بعد أن قضى وطراً من محادثة السمر وغلبه النوم آخر ليلة فنام ولما أيقظه الخادم وجده ميتاً فاستحال السرور وعظم الأسف وغلب على البطانة الدهش‏.‏ثم راجعوا بصائرهم ودفعوا الدهش عن أنفسهم وتلافوا أمرهم بالبيعة لابنه الأمير أبي البقاء خالد فأخذها له على الناس مولاه منصور سريحه من المعلوجي وحاجبه أحمد بن إبراهيم البالقي وحضر لها الموحدون والفقهاء والكافة‏.‏وانفض المجلس وقد انعقد أمره إلى جنازة أبيه حتى واروه التراب‏.‏واستبد منصور وابن البالقي على هذا الأمير المنصوب للأمر فلم يكن له تحكم عليهما‏.‏وكان أول ما افتتحا به أمرهما أن تقبضا على القاضي محمد بن خلف الله من طبقة الفقهاء كان نزع إلى السلطان من بلده نفطة مغاضباً لمقدمها عبد الله بن علي بن خلف فرعى له نزوعه إليه واستعمله بخطة القضاء بتونس عند مهلك أبي علي عمر بن عبد الرفيع‏.‏ثم ولاه قيادة العساكر إلى بلاد الجريد وحربهم فكان فيه غناء واستدفعوه مرات بجبايتهم يبعثون بها إلى السلطان ومرات بمصانعة العرب على الأرجاف بمعسكره‏.‏وكان ابن البالقي يغص بمكانه من السلطان فلما استبد على ابنه أعظم فيه السعاية وتقبض عليه وأودعه السجن مع محمد بن علي بن رافع‏.‏ثم بعث عليهما من داخلهما في الفرار من الاعتقال حتى دبروه معه وظهر على أمرهما فقتلهما في محبسهما خنقاً والله متولي الجزاء منه ‏"‏ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ‏"‏‏.‏ثم أظهر ابن البالقي من سوء سيرته في الناس وجوره عليهم وعسفه بهم وانتزاع أموالهم وإهانة سبال الأشراف ببابه منهم ما نقموه وضرعوا إلى الله في إنقاذهم من ملكته فكان ذلك على يد مولانا السلطان أبي العباس كما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن فتح تونس واستيلاء السلطان عليها واستبداده بالدعوة الحفصية في سائر عمالات إفريقية وممالكها

لما هلك السلطان أبو إسحاق صاحب الحضرة سنة سبعين كما قدمناه وقام بالأمر مولاه منصور سريحه وحاجبه البالقي ونصبوا ابنه الأمير خالداً للأمر صبياً لم يناهز الحلم غراً فلم يحسنوا تدبير أمره ولا سياسة سلطانه وأسخطوا لوقتهم منصور بن حمزه أمير بني كعب المتغلبين على الضاحية بما أطمعوه بسوء تدبيرهم في شركته لهم في الأمر‏.‏ثم قلبوا له ظهر المجن فسخطهم ولحق بالسلطان أبي العباس وهو مطل علهم بمرقبة من الثغور الغربية مستجمع للتوثب فاستحثه لملكهم وحرضه على تلافي أمرهم ورم ما تثلم من سياج دولتهم‏.‏وكان الأحق بالأمر لشرف نفسه وجلاله واستفحال ملكه وسلطانه وشياع الحديث عن عدله ورفقه وحميد سيرته وأمان أهل مملكته من نظر يعقب نظره فيهم أو استبداد سواه عليهم فأجاب صريخه وشحذ للنهوض عزمه‏.‏وكان أهل قسطنطينة قد بعثوا بمثل ذلك فسرح إليهم أبا عبد الله ابن الحاجب أبي محمد بن تافراكين لاختبار طاعتهم وابتلاء دخلتهم فسار إليهم واقتضى بيعاتهم وطاعتهم وسارع إليها يحيى بن يملول مقدم توزر والخلف بن الخلف مقدم نفطة فأتوها طواعية‏.‏وانقلب عنهم وقد أخذوا بدعوة السلطان وأقاموها‏.‏ثم خرج السلطان من بجاية في العسكر وأغذ السير إلى المسيلة وكان بها إبراهيم ابن عمه الأمير أبي زكرياء الأخير جأجأ به أولاد سليمان بن علي من الدواودة من مثوى اغترابه بتلمسان ونصبوه لطلب حقه في بجاية من بعد أخيه الأمير أبي عبد الله وكان ذلك بمداخلة أبي حمو صاحب تلمسان ومواعيد بالمظاهرة مخلفة‏.‏فلما انتهى السلطان إلى المسيلة نبذوا إلى إبراهيم عهده وتبرأوا منه ورجعوه من حيث جاء وانكفأ راجعاً إلى بجاية‏.‏ثم نهض منها إلى الحضرة وتلقته وفود إفريقية جميعاً بالطاعة وانتهى إلى البلد فخيم بساحتها أياماً يغاديها القتال ويراوحها‏.‏ثم كشف عن مصدوقته وزحف إلى أسوارها وقد ترجل أخوه والكثير من بطانته وأوليائه فلم يقم لهم شيء حتى تسنموا الأسوار برياض رأس الطابية فنزل عنها المقاتلة وفروا إلى داخل البلد‏.‏وخامر الناس الدهش وتبراوا بعضهم من بعض وأهل الدولة في موكبهم وقوف بباب الغدر من أبواب القصبة‏.‏فلما رأوا أنهم أحيط بهم ولوا الأعقاب وقصدوا باب الجزيرة فكسروا أقفاله وثار أهل البلد جميعاً بهم فخلصوا سلطانهم من البلد بعد عصب الريق ومضى الجند في أتباعهم فأدرك أحمد بن البالقي فقتل وسيق رأسه إلى السلطان‏.‏وتقبض على الأمير خالد فاعتقل ونجا العلج منصور سريحه برأس طمرة ولجام وذهل عن القتال دون الأحبة‏.‏ودخل السلطان القصر واقتعد أريكته وانطلقت أيدي العيث في ديار أهل الدولة فاكتسحت بما كان الناس يضطغنون عليهم تحاملهم على الرعية واغتصاب أموالهم فاضطرمت نار العيث في دورهم ومخلفهم فلم تكد أن تنطفئ ولحق بعض أهل العافية معرات من ذلك لعموم النهب وشموله حتى أطفأه الله ببركة السلطان وجميل نيته وسعاد أمره‏.‏ولاذ الناس منه بالملك الرحيم والسلطان العادل وتهافتوا عليه تهافت الفراش على الذبال يلثمون أطرافه ويجأرون بالدعاء له ويتنافسون في التماح محياه إلى أن غشيهم الليل‏.‏ودخل السلطان قصوره وخلا بما ظفر من ملك آبائه وبعث بالأمير خالد وأخيه في الأسطول إلى قسطنطينة فعصفت بهما الريح وانخرقت السفينة وتقاذفت الأمواج إلى أن هلكا‏.‏واستبد السلطان بأمره وعقد لأخيه الأمير أبي يحيى زكرياء على حجابته‏.‏ورعى لابن تافراكين حق انحياشه إليه ونزوعه فجعله رديفاً لأخيه واستمر الأمر على ذلك إلى أن كان من أمره ما نذكر إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن انتقاض منصور بن حمزة وأجلابه بالعم أبي يحيي زكرياء

على الحضرة وما كان عقب ذلك من نكبة ابن تافراك كان منصور بن حمزة هذا أمير البدو من بني سليم بما كان سيد بني كعب‏.‏وكان السلطان أبو إسحاق يؤثره بمزيد العناية وجعل له على قومه المزية‏.‏وكان بنو حمزة هؤلاء منذ غلبوا السلطان أبا الحسن على إفريقية وأزعجوه منها قد استطالت أيديهم عليها وتقاسموها أوزاعاً وأقطعهم أمراء الحضرة السهمان في جبايتها زيادة لما غلبوا عليه من ضواحيها وأمصالها استئلافاً لهم على المظاهرة وإقامة الدعوة والحماية من أهل الثغور الغربية فملكوا الأكثر منها وضعف سهمان السلطان بينهم فيها‏.‏فلما استولى هذا السلطان أبو العباس على الحضرة واستبد بالدعوة الحفصية كبح أعنتهم عن التغفب والاستبداد وانتزع ما في أيديهم من الأمصار والعمالات التي كانت من قبل خالصة للسلطان‏.‏وبدا لهم ما لم يكونوا يحتسبونه فأحفظهم ذلك وأهمهم شأنه وتنكر منصور بن حمزة وقلب ظهر المجن ونزع يده من الطاعة وغمسها في الخلاف وتابعه على خروجه على السلطان أبو صعنونة أحمد بن محمد بن عبد الله بن مسكين شيخ حكيم‏.‏وارتحل بأحيائه إلى الدواودة صريخاً مستحيشاً بالأمير أبي يحيى ابن السلطان أبي بكر المقيم بين ظهرانيهم من لدن فعلته بالمهدية وانتزائه بها على أخيه المولى أبي إسحاق كما ذكرنا فنصبوه للأمر وبايعوه وارتحل معهم وأغذوا السير إلى تونس‏.‏ولقيه منصور بن حمزة في أحيائه بنواحي تبسة فبايعوا له‏.‏وأوفدوا مشيختهم على يحيى بن يملول شيطان الغواية المارد على الخلاف يستحثونه للطاعة والمدد لمداخلة كانت بينهم في ذلك سول لهم فيها بالمواعيد وأملى لهم حتى إذا غمسوا أيديهم في النفاق والأجلاب سوفهم عن مواعيده ضنانة بماله فأسرها منصور في نفسه واعتزم من يومئذ على الرجوع إلى الطاعة‏.‏ثم رحلوا للأجلاب على الحضرة وسرح السلطان أبو العباس أخاه الأمير أبا يحيى زكرياء للقيهم في العساكر وتزاحفوا وأتيح لمنصور وقومه ظهور على عساكر السلطان وأوليائه لم يستكمله وأجلبوا على البلد أياماً‏.‏ونمي إلى السلطان أن حاجبه عبد الله بن تافراكين داخلهم في تبيين البلد فتقبض عليه وأشخصه في البحر قسطنطينة فلم يزل بها معتقلا إلى أن هلك سنة ثمان وثمانين‏.‏ثم سرب السلطان أمواله فانتقض على منصور قومه وخشي مغبة حاله وسوغه السلطان جائزته فعود الطاعة ابنه ونبذ إلى سلطانه زكرياء العم عقده ورجعه على عقبه إلى الدواودة‏.‏والتزم طاعة السلطان والاستقامة على المظاهرة إلى أن هلك سنة ست وتسعين قتله محمد ابن أخيه فتيتة في مشاجرة كانت بينهما طعنه لها فأشواه ورجع جريحاً إلى بيته وهلك دونها آخر يومه‏.‏وقام بأمر بني كعب بعد صولة ابن أخين خالد وعقد له مولانا السلطان على أمرهم واستمرت الحال إلى أن كان من أمرهم ما نذكره‏.‏

  الخبر عن فتح سوسة والمهدية

كان سوسة منذ واقعة بني مرين بالقيروان وتغلب العرب على العمالات أقطعها السلطان أبو الحسن لخليفة بن عبد الله بن مسكين فيما سوغ للعرب من الأمصار والإقطاعات مما لم يكن لهم فاستولى عليها خليفة هذا ونزلها واستقل بجبايتها وأحكامها‏.‏واستبد بها على السلطان ولم يزل كذلك إلى أن هلك وقام بأمره في قومه عامر ابن عمه مسكين أيام استبداد أبي محمد بن تافراكين فسوغها له كذلك متقبلا من قبله‏.‏ثم قتله بنو كعب وقام بأمر حكيم من بعده أحمد الملقب أبو صعنونة بن محمد أخي خليفة بن عبد الله بن مسكين فاستبد بسوسة على السلطان واقتعدها دار إمارته وربما كان ينتقض على صاحب الحضرة فيجلب عليها من سوسة ويشن الغارات في نواحيها حتى لقد أوقع في بعض أيامه بمنصور سريحه مولى السلطان أبي إسحاق عساكره فتقبض عليه واعتقله بسوسة أياماً ثم من عليه وأطلقه وعاود الطاعة معه ولم يزل هذا دأبهم‏.‏وكانت لهم في الرعايا آثار قبيحة وملكات سيئة ولم يزالوا يضرعون إلى الله في إنقاذهم من أيدي جورهم وعسفهم إلى أن تأذن الله لأهل إفريقية باقتبال الخير وفيء ظلال الأمر‏.‏واستبد مولانا السلطان أبو العباس بالحضرة وسائر عمالات إفريقية وهبت ريح العز على العرب في جميع النواحي فتنكر أهل سوسة لعاملهم أبي صعنونة هذا وأحس بنكرائهم وخرج عنهم وتجافى للسلطان عن البلد‏.‏وثارت عامتها لعماله فأجهضوهم ونزل عمال السلطان بها‏.‏ثم كانت من بعد ذلك حركة المولى أبي يحيى إلى نواحي طرابلس ودوخ جهاتها واستوفى جباية عمالها‏.‏وكان بالمهدية محمد بن الجكجاك استعمله عليها الحاجب أبو محمد بن تافراكين أيام ارتجاعه إياها من يد أبي العباس بن مكي والأمير أبي يحيى زكرياء المنتزي بها ابن مولانا السلطان أبي بكر كما مر‏.‏وأقام ابن الجكجاك أميراً عليها واستبد بها بعد موت الحاجب‏.‏فلما وخزته شوكة الاستطالة من الدولة وطلع نحوه قتام العساكر فرق من الاستيلاء عليه وركب أسطوله إلى طرابلس ونزل على صاحبها أبي بكر بن ثابت لذمة صهر قديم كانت بينهما‏.‏وبادر مولانا السلطان إلى تسلم المهدية وبعث عليها عماله وانتظمت في ملكه واطردت أحوال الظهور والنجح وكان بعد ذلك ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن فتح جربة وانتظامها في ملك السلطان

كان محمد بن أبي القاسم بن أبي العيون منذ ولاه أبو عبد الله بن تافراكين على هذه الجزيرة قد تقبل مذاهب جيرانها من أهل قابس وطرابلس وسائر الجريد في الامتناع على السلطان ومصارفة الاستبداد وانتحال مذاهب الإمارة وطرقها ولبوس شارتها‏.‏وقد ذكرنا سلفه من قبل وأن والده كان صاحب الأشغال بالحضرة أيام الحاجب أبي محمد بن تافراكين وأنه اعتلق بمكاتبة ابنه أبي عبد الله فولاه على جربة عند افتتاحه إياها وأنه قصده عند مفره عن المولى أبي إسحاق لينزل جربة معولاً على قديم اصطناعه إياه فمنعه‏.‏ثم داخل شيوخ الجزيرة من بني سمومن في الامتناع على السلطان والاستبداد بأمرهم فأجابوه وأقام ممتنعاً سائر دولة المولى أبي إسحاق وابنه من بعده‏.‏ولما استولى مولانا السلطان أبو العباس على تونس داخله الروع والدهش وصار إلى مكاثر رؤساء الجريد في التظافر على المدافعة بزعمهم فأجرى في ذلك شأواً بعيداً مع تخلفه في مضماره بقديمه وحديثه‏.‏وصادف السلطان سوء الامتثال والتياث الطاعة ومنع الجباية فأحفظه ولما افتتح أمصار الساحل وثغوره سرح ابنه الأمير أبا بكر في العساكر إلى جربة ومعه خالصة الدولة محمد بن علي بن إبراهيم من ولد أبي هلال شيخ الموحدين وصاحب بجاية لعهد المستنصر وقد تقدم ذكره‏.‏وأمده بالأسطول في البحر لحصارها‏.‏ونزل الأمير بعسكره على مجازها ووصل إلى مرساها فأطاف بحصن القشتيل وقد لاذ ابن أبي العيون بجدرانه وافترق عنه شيوخ الجزائر من البربر وانحاش بطانته من الجند المستخدمين معه بها‏.‏ولما رأوا ما لا طاقة لهم به وأن عساكر السلطان قد أحاطت بهم براً وبحراً نزلوا إلى قائد الأسطول وأمكنوه من الحصن وبادروا إلى معسكر الأمير فأقبل معهم الخاصة أبو عبد الله بن أبي هلال فيمن معه من بطانة الأمير وحاشيته فاقتحموا الحصن وتقبضوا على محمد بن أبي العيون ونقلوه من حينه إلى الأسطول واستولوا على داره وولوا على الجزيرة وارتحلوا قافلين إلى السلطان‏.‏ووصل محمد بن أبي العيون إلى الحضرة ونزل بالديوان فأركب إلى القصبة على جمل وطيف به على أسواق البلد إظهاراً لعقوبة الله النازلة به وأحضره السلطان فوبخه على مرتكبه في العناد ومداخلته أهل الغواية من أمراء الجريد في الانحراف عنه‏.‏ثم تجافى عن دمه وأودعه السجن إلى أن هلك سنة تسع وسبعين‏.‏